علي بن أحمد المهائمي
592
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( فمن تمام حكمة لقمان في تعليمه ) المحتاج إلى إقامة الأدلة ، ورفع الشبه والتقريب إلى الأفهام ، وبيان الأسرار ( لابنه ) ؛ لإرادة جعله حامل أسراره ( ما جاء به في هذه الآية من هذين الاسمين الإلهيين لطيف وخبير ) ، إذ ( تسمى اللّه ) بهما في الكتب السماوية ، فكانا دليلين عقليين نقليين ، لكنهما باعتبار ظهوره في المظاهر ، فلو جعل ذلك المذكور من نسبة الحق بالاسمين ( في الكون ) ، وهو وإن كان اسما لحصول الشيء على سبيل الحدوث ، فاسمه يجوز أن يكون أسماء للحق ، إذ هو الوجود الظاهر في المظاهر ، وهو من حيث أنه وجود صورة الحق ، والصورة تسمى باسم ذي الصورة ، فقال : إن اللّه كان لطيفا خبيرا ( لكان أتم في الحكمة ) ؛ لدلالته بالمطابقة على المقصود على ما هو عليه ، ( وأبلغ ) في رفع الالتباس من توهم ذلك في الحق باعتبار استقراره في مقر غيره ، لكنه اعتمد على القرينة ، فأطلق في موضع التقييد . ( فحكى اللّه قول لقمان ) بلغة أصله ( على المعنى ) ، كما قال : ( ولم يزد عليه شيئا ) ، إذ يتوهم كونه من قول لقمان مع أنه لم يقله ، فيكون كذبا هذا ( إن كان قوله : إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [ الحج : 63 ] ) من قول لقمان ، وإن كان قوله : ( إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ من قول اللّه ) تمم به حكمة لقمان تعليما لهذه الأمة أفضل من تعليمه ابنه وأكمل ، ( فلما علم اللّه من لقمان أنه لو نطق متمما ) لحكمته ( لتمم بهذا ) ، فكأنه صار قائلا بذلك ، فلم يزد عليه أيضا ، فهذا ما في هذه الآية من الإشارة إلى الحكمة النظرية ، ( وأما ) ما فيها من الإشارة إلى الحكمة العملية ، فهي المذكورة ( بقوله : إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ) من الهيئات الحاصلة من الأعمال والأخلاق ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ هي البدن الكثيف ، أَوْ فِي السَّماواتِ هي الأرواح العالية ، أَوْ فِي الْأَرْضِ هي النفوس ، يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [ لقمان : 16 ] ( لمن هي له غذاء ) أي : هذه كمال له ، ( وليس ) من هي له غذاء ( إلا الذرة ) من الأعمال والأخلاق ، إذ الأكبر منهما يقتضي منه الأكبر ، فلا تكفي الحبة غذاء له المذكورة في قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) [ الزلزلة : 7 ، 8 ] ، فشبه العمل والخلق بالذرة والهيئة الخاصة منهما بالحبة ؛ للإشعار بأن أدنى الأعمال والأخلاق الموجب أدنى الهيئات يأتي بها اللّه لصاحب ذلك العمل والخلق في أي ذرة أصغر تنفذ من الأعمال والأخلاق من حيث اقتضائها تلك الهيئة ، كاقتضاء المتغذي للغذاء ، ( والحبة من الخردل أصغر ) إذا جيء بهما للدلالة على المبالغة في أن اللّه تعالى لا يظلم في أقل قليل من الأعمال والأخلاق وهيئتهما ، ودلّ هذا على أنه ليس في الأعمال والأخلاق أصغر من الذرة ، وهي النملة الصغيرة ، وليس في الهيئات أصغر من الحبة ، إذ ( لو كان ثمة أصغر ) منهما ( لجاء به ) في موضع المبالغة ، ( كما جاء ) في تمثيل الدنيا بأحقر الأشياء ،